
غادر الأستاذ محمد ولد طالبن رئيس حزب الإصلاح نواكشوط صباح الإثنين الماضي متوجها إلى الصين الشعبية تلبية لدعوة من الحزب الشيوعي الصيني، وتأتي الزيارة في إطار رغبة الحكومة الصينية في إطلاع شخصيات سياسية واقتصادية من الدول العربية على أبعاد النهضة الصينية في الإقتصاد الكلي وخطة الصين الخمسية الخامسة عشرة والتنمية العالية الجودة في الصين ، وذلك في افق انعقاد مؤتمر القمة العربية الصينية المقررة خلال هذه السنة وقد إختار الحزب الشيوعي الصيني أربعة وعشرون شخصية سياسية ممثلين عن بعض الأحزاب العربية الفاعلة في المشهد السياسي العربي ،ويستمر برنامج الوفد الاستطلاعي العربي في الفترة مابين 20-29 يناير 2026 ,وقد بدء الوفد العربي أولى جلساته صباح اليوم بمدينة ابكين تحت رئاسة معالي جين شين مساعد وزير الخارجية الصيني المكلف بدائرة غرب آسيا وشمال إفريقيا ،وبحضور يو وي نائب مدير عام إدارة آسيا وشمال إفريقيا بلجنة العلاقات الخارجية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وتم خلال الجلسة الافتتاحية إختيار خمس متدخلين من الوفد العربي من بينهم الأستاذ محمد طالبن رئيس حزب الإصلاح الذي خاطب الوزير الصيني والحضور بالكلمة الآتية :
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
صاحب المعالي السيد الوزير، ممثل الحكومة والحزب الشيوعي في جمهورية الصين الشعبية
السادة والسيدات الأفاضل،
أيها الزملاء الكرام،
اسمحوا لي في البداية أن أوجه جزيل الشكر وعظيم الإمتنان إلى السلطات في جمهورية الصين الشعبية العظيمة، على الدعوة الكريمة وعلى العناية وحسن الاستقبال وكرم الضيافة ..
السيد الوزير،
أيها الاخوة الكرام، نحن قادمون من منطقة لم تعرف الهدوء والاستقرار منذ تاريخ طويل.(المنطقة العربية). خاصة بعد اكتشاف النفط فيها سنة 1944م وقيام الكيان الصهيوني سنة 1948.. وما عاشته المنطقة بعد ذلك من أزمات وتوترات وخصومات جيوسياسية ومواجهات بين الدّول وما أدت إليه من حرائق وسط سباق محموم لتشكيل نظام دولي بات في طور التشكل المقلق.
وقد استطاعت الصين المتيقظة والفاعِلة في خضم التطورات على مسرح الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا أن تخترق ما كان يعتبر سابقاً مجالا أمنيا إقليميا احتكرته القوى الغربية،
ويأتي ظهورها المتزايد والمثابر في تعزيز بناء وترميم علاقاتها بالمنطقة و بالعالم من خلال المشروع العملاق المسمى "طريق الحرير والحزام".
وقد تجسَّدت طموحات الصين العالمية لتحدّي النظام الدَّولي الذي يقوده الغرب، عبر ولوج بكين لبعض المؤسسات الدولية التابعة للأمم المتحدة، وبعض الدول التي تعاني من ضعف السيولة النقدية، وذلك من خلال مَحَافِظ الاستثمار وإعادة البناء ضمن نطاق رؤية الصّين "حزام واحد وطريق واحد".
وإذا كانت الصّين تتميز بتواجد تاريخي محدود في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، إلا أنها لا تعاني من ثقل الإرث الاستعماري تجاه المنطقة، مثل دول الغرب.
صاحب المعالي،
زملائي الأعزاء،
إننا نحن القادمون من دول المنطقة التي عانت مثل الصين من السيطرة الأجنبية والاضطهاد والنهب و الإهانة المعنوية والمسخ الثقافي، فإننا نرى في الصين قاطرة لحضارتنا الشرقية وماحققت من مكاسب كبرى، رضى نفسيا عميقا، ودعما معنويا كبيرا، لرفع رؤوسنا واسترجاع بعض مجدنا، كما نثمن عاليا المستوى الرفيع الذي وصلنا إليه ضمن منتدى التعاون العربي-الصيني.
إن الصين هي من بين الأمم الشرقية العريقة، مثل الأمة العربية، التي داهمها الاستعمار في فترة انحطاط وغفلة وظلمها ظلما متعمدا إلى درجة تجزئتها وتفتيتها.
لقد تمكن قادة الثورة الصينية بفضل نضالهم ومثابرتهم وصدقهم مع أنفسهم ومع أمتهم، من تحقيق النصر وبناء الدولة والإنسان الجديد في الصين.
وإذا نظرنا إلى تجربة "المسيرة الكبرى" التي قادها على الأقدام، لمدة سنة، الرجال الذين سيؤسسون ويقودون بناء جمهورية الصين الشعبية، فإننا سندرك مدى بطولة تلك الكوكبة النادرة من الثوار المخلصين لأمتهم.
ينظر البعض إلى مراحل الثورة الصينية كأنها أجزاء منفصلة. لكننا ندرك أنه لكي نفهم الثورة الصينية ومراحلها المتنوعة في الشكل والزمن وانسجامها العميق في الغاية، علينا أن ننظر إليها كصاروخ له عدة طوابق، لكل طابق لون، ولكن الصاروخ كيان واحد يؤدي رسالة واحدة ،أو دورا شاملا حددته طبيعة التأسيس والانطلاقة الأصيلة للثورة الصينية المجيدة.
يقول المثل الصيني"من المناسب ونحن نتناول الماء العذب أن نتذكر منبعه".
ويَظهَر نجاح الصّين الاقتصادي وبروزها كبديل للولايات المتحدة في المنطقة بشكل متزايد في الخطاب الفكري العربي بسبب قوة بكين الناعمة والعمل على تعزيز الروابط التعليمية والثقافية المتنامية مع بلدان المنطقة، حيث تظهر بأن تقاليدها التاريخية والاجتماعية تشبه إلى حد كبير التقاليد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
لقد وجدت الصّين فرصاً لتأكيد وجودها في منطقة وهي التي لم تشكِّل أبداً قوة استعمارية تقليدية. ويشهد النّمو الاقتصادي في الصين أن مبيعاتها من المشاريع المُتعَاقد عليها على طول طريق الحرير الجديد قد تضاعفت ممَّا أثار مخاوف بشأن "التجارية الهجومية" ورؤية "الحزام العالمي."
وقد أدَّى هذا النّمو إلى زيادة مشاركة الصِّين في المنطقة التي توفر مصدراً مهمّاً للطاقة.
و يمكن القول بأن الصّين قد أصبحت أكبر مستثمر في المنطقة. وهي تستفيد من شعور الكراهية تجاه القوى الإستعمارية، وما يمكن تفسيره بشكل معقول على أنه رغبة بين كل من النُّخب الحاكمة والشارع للحصول على بديل للهيمنة الغربية، والتي يتمَّ تعزيزها باستمرار عن طريق الرسائل الفجة الصادرة من الدول الغربية.
إن هذا اللقاء الحزبي العربي–الصيني، الذي ينعقد تمهيدًا للقمة العربية الصينية المرتقبة يحمل دلالة سياسية وفكرية مهمة، مفادها أن التعاون بين الدول لا يكتمل دون حوار منظم بين القوى السياسية التي تعبّر عن مجتمعاتها، وتحمل رؤى مختلفة، لكنها تلتقي حول المصالح العليا لشعوبها.
السيد الوزير ،السيدات والسادة،
لقد أثبتت التجربة الصينية، بقيادة الحزب الشيوعي الصيني، أن التنمية ليست مجرد أرقام، بل مشروع وطني متكامل، يقوم على الاستقرار، والتخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، وبناء الإنسان، وربط السياسة بالاقتصاد، والاقتصاد بالعدالة الاجتماعية. وهي تجربة نجحت في تحويل الصين إلى شريك عالمي موثوق، يمدّ يده للتعاون دون شروط إملائية، ويعرض شراكاته على أساس المنفعة المتبادلة والاحترام المتكافئ.
إن التجربة الصينية في التحول الاقتصادي خير برهان على إبداع العقل الصيني في صناعة تحول متدرج من شمولية الرؤية الاقتصادية الاشتراكية إلى اقتصاد هجين يوازن التحول بما يحمي المجتمع ، وتمكن من تحويله من مجتمع خامل إلى مجتمع منتج قادر على الاندماج في ديناميكية اقتصادية تؤسس وتبني وتتطور خدمة لقوة الدولة الصينية وحضورها العالمي في كل سلاسل المال والأعمال .
الصين اليوم عملاق عالمي حاضر دون ضجيج صاخب ، وفاعل، دون تعد على سيادة الدول وكرامة شعوب العالم.
الصين هي القطب الاقتصادي والتقني والطاقوي الذي لا ييستطيع العالم أن يستمر من دونه.
قوة اقتصادية عظمى قادرة على الردع والتاثير بكل الوسائل الصلبة غير التقليدية والوسائل الناعمة عميقة التأثير.
الصين صنعت الحاضر بعزيمة واقتدار وهي تصنع المستقبل بثقة وحكمة.
وقد جاءت المبادرات الصينية العابرة للقارات، وفي مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، كتعبير عملي عن هذه الفلسفة، حيث تحولت التنمية إلى أداة لتعزيز السلم والاستقرار، لا إلى وسيلة لإعادة إنتاج الصراعات أو تعميق التبعية.
السيد الوزير السيدات والسادة،
إن موريتانيا، انطلاقًا من موقعها الجيوستراتيجي الفريد، تمثل اليوم فضاءً محوريًا في معادلات الربط بين المغرب العربي وغرب إفريقيا، وبوابة أطلسية واعدة للتكامل الاقتصادي والتجاري القاري والعالمي ، فضلًا عن كونها دولة غنية بثرواتها الطبيعية الاستراتيجية، من مواد أولية ومعادن نادرة ونفيسة، فهي دولة ذات مصادر طاقة تقليدية ومتجددة، تجعلها فاعلًا متزايد الأهمية في سلاسل القيمة العالمية.
إن أهمية موريتانيا لا تكمن في مواردها وحدها، بل في الخيارات الوطنية التي تحكم إدارتها لهذه الموارد، وفي السعي إلى بناء دولة مستقرة، ذات سيادة، تُدار فيها الشراكات الخارجية وفق رؤية واضحة، تُقدّم المصلحة الوطنية، وتعزز السلم الاجتماعي، وتربط الانفتاح الخارجي بأهداف التنمية الداخلية، في إطار دولة القانون والمؤسسات.
وفي هذا السياق، يشكل التعاون الموريتاني–الصيني نموذجًا راسخًا للتعاون المتوازن، حيث تطور عبر عقود من الصداقة والاحترام المتبادل، وشهد في السنوات الأخيرة ديناميكية جديدة، تعكس توجّهًا وطنيًا يعطي الأولوية للشراكات الاستراتيجية الجادة، ويؤمن بأن الاستقرار السياسي، وحسن الحوكمة، والوضوح في الخيارات السيادية، هو الأساس الحقيقي لأي تعاون دولي ناجح ومستدام.
السيد الوزير ،السيدات والسادة،
إن حزب الإصلاح،الذي هوحزب وطني تقدمي حداثي حين يشارك في هذا المحفل المبارك، ينطلق في رؤيته من مدرسة إصلاحية وطنية سيادية، تؤمن بأن الدولة القوية هي دولة المواطنة العادلة، التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وتُدار فيها الثروة العامة بمنطق العدالة والإنصاف، وتُبنى فيها العلاقات الخارجية على قاعدة الندية، لا الارتهان، وعلى الشراكة، لا التبعية، وهو هنا ليعبر لكم عن رغبته في بناء علاقات ثنائية قوية مع حزبكم الحزب الشيوعي الصيني الذي هو أعرق مدرسة سياسية نضالية وطنية لتكوين الأحرار في العالم.
ومن هذا المنطلق، نرى أن الأمة العربية مدعوة اليوم إلى استلهام جوهر التجربة الصينية: جوهر الاعتماد على الذات، والتخطيط البعيد المدى، وبناء الدولة قبل إدارة الأزمات، وربط الاستقرار السياسي بالتنمية الاقتصادية، دون التفريط في الخصوصيات الوطنية أو الثوابت السيادية
ونحن في حزب الإصلاح نلتقي في تلك الثوابت مع فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني رئيس الجمهورية الإسلامية الموريتانية.
السيد الوزير ،السيدات والسادة،
إننا نؤمن بأن بناء عالم واحد، أكثر توازنًا وعدلًا، لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار السلام، والنماء المستدام، والاستقرار، والوحدة الإنسانية؛ عالم تُحترم فيه سيادة الدول، وتُصان فيه كرامة الشعوب، وتُدار فيه الشراكات الدولية بروح المسؤولية المشتركة.
ختامًا، نجدد شكرنا للحزب الشيوعي الصيني على هذه المبادرة النوعية، ونتطلع إلى أن تشكل هذه اللقاءات الحزبية رافعة حقيقية للديبلماسية الرسمية لتعميق الشراكة العربية–الصينية، وتمهيدًا ناجحًا لقمة تعكس طموحات شعوبنا، وتفتح آفاقًا جديدة للتعاون القائم على السلام والتنمية والاحترام المتبادل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



.jpg)


