
بقلم أحمد محمد حماده - كاتب ومحلل سياسي
لم يعد ما يجري في القرى الحدودية التابعة لبلدية كوكي بمقاطعة كوبني مجرد واقعة أمنية عابرة يمكن إدراجها ضمن "الالتباس الحدودي" ثم طيّها بهدوء. فحين تتكرر توغلات وحدات من الجيش المالي في القرى نفسها ثلاث مرات خلال أقل من ثلاثة أسابيع - في 25 مارس، ثم السبت الماضي، ثم السبت 11 أبريل 2026 - مصحوبة بإبلاغ السكان بأن هذه القرى تقع داخل الأراضي المالية، فإننا لا نكون أمام حادث منفصل، بل أمام سلوك ميداني يحمل دلالة سياسية واضحة.
ويزداد الأمر دلالة مع ما تم تداوله من استجواب عمّال في منشآت قيد البناء، وتعليق الأشغال إلى حين الحصول على "إذن" من السلطات المالية، بما ينقل الواقعة من مجرد مرور عسكري إلى محاولة ممارسة سلطة رمزية على الأرض.
جوهر المسألة هنا ليس عسكرياً بالمعنى الضيق، بل سيادياً بالمعنى العميق. فالدول لا تُختبر فقط في عواصمها أو في بياناتها الرسمية، وإنما تُختبر كذلك في قدرتها على حماية المعنى القانوني والسياسي لحدودها. حين يدخل جيش أجنبي إلى قرى مأهولة بمواطنين موريتانيين، توجد فيها مدارس ومكاتب تصويت وطنية، ثم يخاطب السكان باعتبارهم ضمن مجال سيادي آخر، فإن المسألة تتجاوز خطاً على الخريطة إلى سؤال مركزي: من يملك حق تعريف المجال العام، وتحديد مصدر الشرعية الإدارية والرمزية فيه؟
التكرار في حد ذاته يحمل رسالة. فالحادث الأول يمكن - على مضض - تفسيره بسوء تقدير ميداني، أما التكرار الثاني والثالث، وبالصيغة ذاتها تقريباً، فيوحيان بأننا أمام اختبار إرادات أكثر من كونه خطأ موضعياً. فالتوغلات غير المصحوبة بتصعيد دموي تُستخدم أحياناً لقياس سقف الرد، وحدود ما يمكن تمريره تحت عنوان "التماس الحدودي".
ومن هذه الزاوية، يصبح الاكتفاء بالمعالجة الإدارية المحدودة أو الصمت النسبي محفوفاً بالمخاطر، لأنه قد يُقرأ باعتباره قابلية لامتصاص ضغط رمزي متصاعد.
وقد سبق أن رافقت هذا المسار الميداني روايات إعلامية وأمنية متباينة زادت من تعقيد المشهد. فمن بين ما تم تداوله في وقت سابق، ادعاءات بتوقيف شاحنات موريتانية يُشتبه في نقلها دراجات نارية ووقود لصالح جماعات إرهابية، قبل أن يتبين لاحقاً عدم صحة هذه المعطيات. كما رافق ذلك أيضاً ادعاء مالي سابق بفرار جنديين من قبضة خاطفيهما داخل الأراضي الموريتانية، وهو ما عادت السلطات المالية نفسها لتقر بعدم دقته. هذا التراكم من الروايات غير المثبتة، وإن تم تصحيحه لاحقاً، يترك أثراً في المجال الرمزي، ويغذي مناخ الشك، ويمنح أي تحرك ميداني لاحق قابلية أكبر للتأويل والتوظيف السياسي.
ومع ذلك، فإن القراءة الرصينة تقتضي إدراج هذه الوقائع ضمن سياقها الإقليمي الأوسع. فالشريط الشرقي لموريتانيا يجاور دولة تعيش منذ سنوات تحت ضغط أمني وإنساني معقد، انعكست تداعياته مباشرة على الداخل الموريتاني. ومع استمرار تدفقات اللاجئين وارتفاع التقديرات إلى مئات الآلاف في السيناريوهات المرتفعة، لم تعد الحدود مجرد خط فصل، بل أصبحت فضاءً مركباً يتداخل فيه الأمني بالإنساني، والسيادي بالديمغرافي، والاقتصادي بالاستراتيجي.
ضمن هذا السياق، لا يمكن قراءة تحركات الجيش المالي في كوكي بمعزل عن بيئة إقليمية متوترة، ولا عن معادلة دقيقة تديرها نواكشوط على حدودها الشرقية: حماية المجال الوطني دون الانجرار إلى منطق التصعيد المفتوح. وهنا تتجلى قوة الدولة لا في رد الفعل الانفعالي، بل في القدرة على الجمع بين الحزم والاتزان، بين تثبيت الحق القانوني ومنع تحويل الحدود إلى ساحة استنزاف.
وتزداد الصورة تعقيداً حين يُقرأ التوقيت في ضوء استمرار قنوات التعاون بين البلدين. فالعلاقة الموريتانية - المالية، رغم ما يعتريها من توتر ظرفي، ما تزال محكومة بملفات استراتيجية متعددة، من التنسيق السياسي إلى مشاريع التكامل الاقتصادي، ومن أبرزها مشروع الربط الكهربائي بين البلدين. هذا التوازي بين التعاون والاحتكاك يكشف عن مفارقة دقيقة: فلا مصلحة لنواكشوط في تفجير العلاقة، لكن لا مصلحة لها أيضاً في ترك المجال الحدودي مفتوحاً لاختبارات ميدانية متكررة.
التحرك الإداري، كما عكسته زيارة والي الحوض الغربي للقرى الحدودية، يمثل استجابة مهمة على مستوى التهدئة واحتواء القلق المحلي، لكنه يظل إجراءً وقائياً أكثر منه معالجة سياسية مكتملة. فالسيادة لا تُصان بالنصح للسكان فحسب، بل ببناء موقف رسمي واضح، وتكثيف الحضور العمومي، وإغلاق أي فراغ تأويلي يمكن أن يُستثمر لفرض رواية مغايرة على الأرض.
ما يفرض نفسه اليوم ليس منطق المزايدة، بل منطق الدولة. دولة مطالبة بثلاثة مستويات متزامنة من الفعل: تثبيت قانوني وإداري موثق للوضعية السيادية لهذه القرى، حضور ميداني هادئ لكنه واضح يبعث برسالة طمأنة، وتحرك دبلوماسي يرفع الملف إلى قنواته الطبيعية بين الدول. ذلك أن ترك مثل هذه الوقائع في دائرة التداول الإعلامي دون تأطير رسمي صلب، يفتح المجال لتآكل تدريجي في المعنى السيادي.
في العمق، تكشف أحداث كوكي عن معضلة أوسع: معضلة الدولة الطرفية في بيئة إقليمية مضطربة. فحين تقوى الدولة في مركزها وتضعف في أطرافها، يبدأ التآكل من الهوامش. وحين تكون السيادة حاضرة في النصوص أكثر مما هي راسخة في المجال، تظهر قوى أخرى لملء الفراغ، ولو بشكل رمزي.
موريتانيا، بحكم تجربتها في إدارة التوازنات، ليست دولة مندفعة، وهذه نقطة قوة. لكنها مطالبة، في الآن ذاته، بأن تثبت أن التعقل لا يعني التساهل، وأن ضبط الأعصاب لا يعني القبول بالاختبار المتكرر لهيبة الأرض. فالحدود ليست نهاية الخريطة، بل بداية السيادة. وحين تُختبر السيادة في قرية بعيدة، فإن الدولة كلها تكون معنية بالجواب.

.jpg)


