
في تطور علمي قد يغيّر طريقة فهم اضطراب طيف التوحد، تمكن فريق من الباحثين في كندا من اكتشاف جين غير تقليدي يبدو أنه يرتبط بشكل مباشر بالسمات الأساسية للاضطراب، خصوصًا صعوبات التفاعل الاجتماعي والسلوكيات التكرارية، دون أن يمتد تأثيره إلى القدرات الذكائية أو المعرفية العامة.
ويكتسب هذا الاكتشاف أهميته من كونه يسلط الضوء على دور الجينات غير المشفرة، وهي أجزاء من الحمض النووي ظلّت لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام البحثي، رغم أنها لا تنتج بروتينات بشكل مباشر، إلا أنها تلعب أدوارًا تنظيمية دقيقة داخل الخلايا العصبية.
الدراسة، التي قادها فريق بحثي في مستشفى الأطفال المرضى بمدينة تورونتو بقيادة الباحث ستيفن شيرر، ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 13 مايو 2026، ركزت على جين يُعرف باسم PTCHD1-AS الموجود على الكروموسوم X. وتشير النتائج إلى أن هذا الجين يعمل كمنظم لنشاط جينات أخرى في الدماغ، رغم أنه لا يقوم بترميز بروتينات.
ويعد هذا التوجه مختلفًا عن أغلب الدراسات السابقة التي ربطت نحو مئة جين باضطراب التوحد، إذ إن معظم تلك الجينات تؤثر في وظائف دماغية واسعة تشمل التعلم والقدرات الإدراكية، بينما يبدو أن الجين المكتشف يرتبط بشكل أكثر تحديدًا بالسلوك الاجتماعي والسلوكيات المتكررة، وهي أبرز سمات التوحد.
واعتمد الباحثون في نتائجهم على تحليل بيانات وراثية لأكثر من 9300 شخص من قواعد بيانات عالمية، حيث تبين أن حذف أجزاء من هذا الجين ارتبط بزيادة احتمالية الإصابة بالتوحد، خصوصًا لدى الذكور. ويُعتقد أن هذا الفارق بين الجنسين يعود إلى امتلاك الذكور نسخة واحدة فقط من الكروموسوم X، مقابل نسختين لدى الإناث، ما يوفر درجة من الحماية الجينية.
وللتأكد من النتائج، أُجريت تجارب على نماذج حيوانية تم فيها تعطيل الجين نفسه، حيث أظهرت الحيوانات تغييرات واضحة في السلوك الاجتماعي وازديادًا في السلوكيات التكرارية، في حين بقيت قدراتها المرتبطة بالتعلم والذاكرة والانتباه دون تأثير يُذكر.
وعند دراسة الدماغ بشكل أعمق، لاحظ العلماء أن غياب الجين يؤثر في منطقة تُعرف باسم “المخطط الدماغي”، وهي منطقة مسؤولة عن تنظيم السلوك والعادات. كما رُصدت تغيّرات في اللدونة المشبكية، وهي العملية التي تسمح للدماغ بإعادة تشكيل اتصالاته العصبية استجابة للتجارب.
إضافة إلى ذلك، أظهرت النتائج تأثيرات على الجينات والبروتينات المرتبطة بتكوين غمد الميالين، الذي يساعد في تسريع انتقال الإشارات العصبية، ما يشير إلى أن هذا الجين يلعب دورًا في تنظيم دوائر عصبية محددة ترتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي.
ويرى الباحثون أن أهمية هذا الاكتشاف لا تقتصر على تحديد جين جديد مرتبط بالتوحد، بل تمتد إلى فتح الباب أمام فهم أدق للعلاقة بين الجينات والسلوك البشري، بما قد يمهّد مستقبلًا لتطوير علاجات تستهدف الأعراض الأساسية للاضطراب بشكل أكثر دقة.
ورغم أن هذه النتائج لا تزال في إطار البحث العلمي، فإنها تمثل خطوة مهمة نحو إعادة النظر في دور الجينات غير المشفرة، التي بدأ يتضح أنها قد تحمل مفاتيح لفهم جوانب معقدة من الدماغ والسلوك الإنساني.

.jpg)



