
لا تتوقف فوائد الغذاء عند منح الجسم الطاقة والعناصر الضرورية لأداء وظائفه، بل قد تمتد إلى التأثير في جودة النوم ومراحله المختلفة. وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة نُشرت في دورية «Nature Health» عن ارتباط بين زيادة استهلاك الألياف الغذائية وقضاء وقت أطول، ولو بفارق محدود، في مرحلتي النوم العميق ونوم حركة العين السريعة، وهما مرحلتان أساسيتان لراحة الجسم ووظائف الدماغ.
وتضيف هذه النتائج مؤشرات جديدة إلى الأبحاث التي تستكشف العلاقة بين العادات الغذائية والنوم، لكنها لا تعني بالضرورة أن تناول المزيد من الألياف يؤدي مباشرة إلى تحسين جودة النوم.
دراسة ترصد تأثير العادات الغذائية في النوم
اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات نحو 3600 شخص بالغ، بلغ متوسط أعمارهم 53 عاماً، مع تمثيل متقارب للرجال والنساء. وسجّل المشاركون ما يتناولونه من أطعمة عبر تطبيق على الهواتف الذكية، فيما استخدموا أجهزة قابلة للارتداء لمراقبة مراحل النوم.
وجمع فريق البحث معلومات غذائية وبيانات عن النوم امتدت إلى 4793 يوماً، بهدف تحليل العلاقة بين الاختلافات اليومية في الطعام والتغيرات التي قد تظهر في النوم خلال الليلة التالية.
كما أخذ الباحثون في الاعتبار النظام الغذائي وأنماط النوم في اليوم السابق، سعياً إلى الحصول على صورة أكثر دقة عن الصلة المحتملة بين مكونات الوجبات ومراحل النوم، بدلاً من الاعتماد فقط على التقييم الشخصي لجودة الراحة الليلية.
زيادة الألياف ترتبط بوقت أطول في النوم العميق
أظهرت النتائج أن ارتفاع كمية الألياف المتناولة مقارنة بإجمالي السعرات الحرارية ارتبط بزيادة الوقت المخصص للنوم العميق بمقدار 0.59 نقطة مئوية، إلى جانب ارتفاع الوقت الذي يقضيه المشاركون في نوم حركة العين السريعة بنسبة 0.76 نقطة مئوية.
ويُعد النوم العميق مرحلة مهمة لاستعادة نشاط الجسم، بينما يرتبط نوم حركة العين السريعة بمعالجة المعلومات والذاكرة ووظائف دماغية أخرى.
ولم تقتصر الملاحظات على الألياف وحدها، إذ ارتبط تنوع الأطعمة النباتية في النظام الغذائي بانخفاض معدل ضربات القلب أثناء الليل. في المقابل، ارتبط تناول وجبات مسائية غنية بالسعرات الحرارية بالنوم لفترة أطول، بالتزامن مع ارتفاع معدل النبض.
ومع ذلك، لم يرصد الباحثون علاقات ثابتة بين النوم و25 عاملاً غذائياً من أصل 32 شملها التحليل، بما فيها الكربوهيدرات والبروتينات والدهون، الأمر الذي يشير إلى ضرورة دراسة العناصر الغذائية المختلفة بصورة مستقلة.
ما العلاقة المحتملة بين الألياف وجودة النوم؟
توجد عدة تفسيرات محتملة للارتباط الذي رصدته الدراسة، من بينها تأثير الألياف في تنظيم مستويات السكر في الدم. فالألياف، ولا سيما القابلة للذوبان، قد تبطئ امتصاص الغلوكوز، ما يساعد على الحد من التقلبات الحادة في مستوياته.
وقد تؤدي التغيرات في سكر الدم لدى بعض الأشخاص إلى استجابات هرمونية مرتبطة بالتوتر، تشمل إفراز الأدرينالين والكورتيزول، وقد تترافق مع تسارع ضربات القلب والتعرق والاستيقاظ خلال الليل.
كذلك، قد تلعب البكتيريا النافعة في الأمعاء دوراً في هذه العلاقة. فعندما تحلل هذه البكتيريا الألياف، تنتج أحماضاً دهنية قصيرة السلسلة تؤثر في عدد من العمليات الحيوية داخل الجسم، وقد تكون لها صلة بالآليات المرتبطة بالنوم.
لكن هذه التفسيرات لا تزال فرضيات محتملة، ولا تثبت نتائج الدراسة أن تنظيم سكر الدم أو التغيرات في ميكروبيوم الأمعاء هما المسؤولان مباشرة عن زيادة الوقت الذي يقضيه الأشخاص في مراحل النوم المذكورة.
كم يحتاج الجسم من الألياف يومياً؟
رغم الاهتمام بالعلاقة المحتملة بين الألياف والنوم، لا ينبغي التعامل معها بوصفها علاجاً للأرق أو بديلاً عن معالجة اضطرابات النوم. فالدراسة رصدية، وبالتالي لا تستطيع إثبات أن زيادة استهلاك الألياف هي التي أدت إلى التغيرات المسجلة، وهو ما يتطلب تجارب سريرية إضافية.
وفي المقابل، تبقى الألياف جزءاً مهماً من النظام الغذائي المتوازن، نظراً إلى دورها في دعم صحة الجهاز الهضمي، وتغذية البكتيريا النافعة، وتعزيز الشعور بالشبع، والمساهمة في تنظيم مستويات السكر والكوليسترول في الدم.
وتتراوح الكمية اليومية العامة الموصى بها للبالغين بين 25 و38 غراماً، وفقاً للعمر والجنس. ويمكن الحصول عليها من مصادر متنوعة، مثل الخضروات والفواكه والبقوليات والشوفان والحبوب الكاملة.
ولتحقيق استفادة غذائية أفضل، يُنصح بزيادة الألياف تدريجياً مع شرب كمية كافية من الماء، بدلاً من رفع استهلاكها بصورة مفاجئة.
هل يكفي تغيير النظام الغذائي لتحسين النوم؟
تشير نتائج الدراسة إلى أن نوعية الطعام قد تكون أحد العوامل المرتبطة بأنماط النوم، لكنها لا تقدم دليلاً قاطعاً على أن الألياف وحدها تحسّن النوم العميق أو تقلل الاستيقاظ ليلاً.
لذلك، فإن تنويع مصادر الألياف يظل خطوة مفيدة للصحة العامة، مع الاهتمام أيضاً بانتظام مواعيد النوم، وتجنب الوجبات الثقيلة قبل الخلود إلى الفراش، والحد من المشروبات المنبهة في الساعات المسائية.
ومع استمرار الأبحاث، قد تتضح بصورة أكبر كيفية تفاعل النظام الغذائي مع الساعة البيولوجية ووظائف الجسم أثناء الليل، وما إذا كانت تعديلات غذائية محددة قادرة على إحداث تحسن ملموس في جودة النوم.

.jpg)



