
منذ خروج ريال مدريد من الدور ربع النهائي لدوري أبطال أوروبا على يد بايرن ميونيخ، لا صوت في وسائل الإعلام الإسبانية والعالمية يعلو فوق الحديث عن الخليفة المنتظر للمدرب الحالي ألفارو أربيلوا في سُدّة الحكم في «سانتياغو بيرنابيو»، ومع تراجع فرص الفريق في مزاحمة الغريم الأزلي برشلونة على صدارة الدوري الإسباني، باتساع الفارق بينهما إلى تسع نقاط قبل 6 جولات من انتهاء الموسم، منها كلاسيكو العاشر من مايو/ أيار المقبل، بدأ المحيط الإعلامي المقرب من الرئيس فلورينتينو بيريز ومجلسه المعاون، يتسابق في تحديث القصص والروايات حول هوية المدرب المنتظر في مدينة «فالديبيباس» البيضاء بداية من الموسم الجديد، والسؤال الذي يفرض نفسه في هذه الأثناء هو: من يا ترى المدرب الأنسب لإستراتيجية اللوس بلانكوس مع اقترابه من الخروج من الموسم الثاني على التوالي بلا ألقاب؟ هذا ما سيجيب عليه التقرير الآتي.
الخيار المضمون
صحيح الأصوات بدأت تتعالى من أجل الاستعانة بمدرب آخر أكثر خبرة من أربيلوا لمواجهة الإعصار الكاتالوني القادم من برشلونة، لكن هناك البعض يطالب بضرورة الإبقاء على المدرب الحالي ولو لموسم آخر، وذلك بعد ظهور بعض العلامات أو المؤشرات المطمئنة بالنسبة للمشجعين، لعل أبرزها نجاحه في شحن معنويات اللاعبين مرة أخرى، بظهور الفريق بنسخة أكثر حيوية ورغبة في تقديم التضحيات من أجل الفريق، لكن مشكلته تكمن في نفس المعضلة التي عانى منها الميستر كارلو أنشيلوتي في موسمه الأخير ومن قبله تشابي ألونسو في تجربته العابرة مع الميرينغي، وهي خلق التوازن المطلوب لتحقيق الانتصارات بصفة مستمرة، إلى جانب قلة خبرته في التعامل مع اختبارات الليغا المعقدة التي يتفنن برشلونة في حسمها بصرف النظر عن حالة لاعبيه الفنية والبدنية، وكانت واحدة من العوامل الرئيسية وراء سلسلة نزيف النقاط الشهر الماضي، التي منحت البارسا الصدارة على طبق من ذهب، بعدما ظلت في متناول الريال لأسابيع طويلة وبفارق 5 و6 نقاط عن أقرب ملاحقيه، ولو أن هناك شبه إجماع في الإعلام والسوشيال ميديا البيضاء، بأن أربيلوا لم يفقد كل فرصه بعد من أجل الاحتفاظ بمنصبه لما بعد صيف 2026، لكن هذا سيتوقف على مدى جودة المحتوى الذي سيقدمه الفريق ونتائجه في المباريات الست المتبقية على انتهاء الموسم، وفي القلب منها كلاسيكو «كامب نو» المنتظر، منها سيبعث رسائل واضحة وصريحة للمنتقدين قبل المؤيدين، مفادها بأنه ما زال لديه الكثير ليقدمه لمشروع «الغالاكتيكوس» الثاني، ومنها أيضا سيعطي مؤشرات على قدرته على ملاحقة البلوغرانا حتى النفس الأخير، كما فعل الأسطورة زين الدين زيدان بعد توليه المهمة في ظروف مشابهة عام 2016، وآنذاك أحيا آمال الفريق في المنافسة على لقب الدوري الإسباني حتى الجولة الأخيرة، الفارق أن زيزو قاد جيل «لا ديسيما» للفوز بكأس دوري أبطال أوروبا الحادية عشر على حساب ضحيته المحلية المفضلة في الكأس ذات الأذنين أتلتيكو مدريد، وقبل هذا وذاك، يُقال على نطاق واسع، إن المدرب الحالي يحظى بدعم كيليان مبابي ورفاقه، وهذا الأمر قد يشجع فلورينتينو بيريز على منحه فرصة أخرى في الموسم الجديد، لكن بالطبع إذا خيب الآمال في المباريات القادمة، سيكون أول المغادرين بمجرد إطلاق صافرة نهاية مباراة الجولة الختامية ضد أتلتيك بلباو.
مدرب الأحلام
تُجمع جُل المصادر وردود الأفعال التي نتابعها يوميا في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، أن الخيار المفضل بالنسبة لجماهير ريال مدريد هو المدرب الألماني يورغن كلوب، باعتباره الرجل المخلص الذي سيأتي من وطن الماكينات المعمرة ليوقف الصعود الصاروخي لمشروع برشلونة بقيادة الألماني الآخر المخضرم هانزي فليك، وذلك بطبيعة الحال لما يتمتع أفضل مدرب في العالم سابقا من حضور وكاريزما وقدرة على فرض سيطرته على غرفة خلع الملابس، وهي المواصفات التي يُفترض أنها مناسبة وشبه مثالية بالنسبة للمدرب الذي سيفرض شخصيته على هؤلاء النجوم لينفذوا أفكاره كما يريد داخل المستطيل الأخضر، والأهم ما يميزه من قدرة على إخراج أفضل ما لدى لاعبيه وتوظيفهم بأفضل طريقة تخدم مصلحة الفريق، مثل نجاحه في صناعة الثلاثية الأسطورية بين محمد صلاح وروبرتو فيرمينو وساديو ماني، وسبقها حقق ما فاق توقعات جماهير بوروسيا دورتموند، بقيادة الفريق للفوز بلقب البوندسليغا مرتين من أنياب الزعيم البافاري بايرن ميونيخ، بالإضافة إلى وصول لنهائي دوري أبطال أوروبا، دليلا على أنه واحد من المدربين القلائل الذين يحققون عادة أكثر من توقعات الإدارة والجماهير، وهذا بالكاد ما يحلم به الرئيس التاريخي ومجلسه المعاون، برؤية هذا المشروع يهيمن على الكرة الإسبانية والأوروبية في ما تبقى من العقد الحالي على أقل تقدير، وهو ما يبدو ممكنا في حال تخيل وجود كلوب يعطي تعليماته بأسلوبه الحماسي لفينيسيوس جونيور أو أردا غولر، لكن ما يثير المخاوف هو تاريخ المدرب الخمسيني مع الفرق الإسبانية، وذلك منذ فترته مع ماينز الألماني مرورا ببورسيا دورتموند نهاية بليفربول، حيث تخبرنا لغة الأرقام والإحصائيات أن فرقه لا تقدر على مجاراة إشبيلية وريال ومدريد وأتلتيكو مدريد، فقط الاستثناء شبه الوحيد كان لقاء العودة الملحمي أمام برشلونة في نصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2019، حين قلب الريدز تأخره بثلاثية نظيفة في ذهاب «كامب نو» إلى ريمونتادا تاريخية برباعية بلا هوادة في إياب «الآنفيلد»، وهي الإشكالية التي تبدو أشبه بالسلاح ذو الحدين، إما بأخذ الرهان على مدرب أحلام الجماهير على أمل أن يطور من أسلوبه ريثما يفك شفرة نتائجه المتواضعة أمام خبراء التكتيك في الليغا، وإما سيكون مشروع تشابي ألونسو آخر في الموسم الجديد.
البوش والإرث
واحد من الأسماء المطروحة بقوة على الساحة منذ فترة ليست بالقصيرة، هو المدرب الأرجنتيني ماوريسيو بوتشيتينو، الذي يستعد لمغادرة منصبه في القيادة الفنية للمنتخب الأمريكي فور انتهاء دوره مع أحفاد العم سام في كأس العالم، ووفقا للمصادر المدريدية الموثوقة، يبقى دائما المدرب الأكثر موثوقية بالنسبة للفرش الأبيض الكبير، معتقدا أنه يملك الشخصية والأفكار الثورية ما يكفي لإحداث تلك الطفرة التي يبحث عنها الجميع في «السانتياغو»، أو بالأحرى ذاك التأثير الخيالي الذي أحدثه مع توتنهام، لكن بحجم تطلعات وطموحات النادي الأكثر طمعا في الألقاب على هذا الكوكب، وما يعزز هذه الفكرة أكثر، نجاح بوتشيتينو في إظهار قدرته في فرض سيطرته على النجوم الكبار، كما فعل في تجربته مع باريس سان جيرمان، التي كانت شاهدة على واحدة من أفضل نسخ كيليان مبابي في فترة ما بعد كأس العالم 2018. أما أحدث الأسماء التي اقتحمت سباق المرشحين لخلافة أربيلوا، فهو المدرب المثير للجدل جوزيه مورينيو، على أمل أن يكرر ما فعله في ولايته الأولى حين انتشل الفريق من براثن الضياع بعد اتساع الفجوة بطريقة مفزعة مع الجبروت الكتالوني الذي كان يكتسح الأبيض واليابسة بقيادة بيب غواردولا وجيل ليونيل ميسي الذهبي في بداية صعوده الصاروخي موسم 2008-2009، وآنذاك نجح في إعادة التوازن بين الريال والبارسا، والأهم وضع حجر أساس ما عُرف فيما بعد بجيل لا ديسيما، الذي عزز خبرته في الأبطال بالوصول إلى الدور نصف النهائي 3 مرات على التوالي، بعد سنوات من التخبط والخروج المتكرر من بداية مراحل خروج المغلوب منذ الفوز بالكأس التاسعة بهدف زيدان الخالد في شباك باير ليفركوزن عام 2002، لكن ما يعيق الفكرة برمتها، اختلاف وضع مورينيو في 2026، كمدرب تجاوز سنوات الذروة واعتاد على تدريب الأندية المتوسطة على المستوى القاري، مقارنة بالهالة التي كان عليها في بداية العقد الماضي، عندما كان يُنظر إليه باعتباره واحدا من أفضل 3 مدربين في العالم، وذاك الرجل الذي يجيد اصطياد البطولات الكبرى مع أندية الصفوة في أوروبا، ويزاحمه في نفس التقارير المدرب الفرنسي ديدييه ديشان، الذي يستعد لترك وظيفته مع الديوك فور انتهاء المونديال، وذلك بعد استحواذه على القيادة الفنية لوصيف كأس العالم لأكثر من عقد من الزمان، تحديدا منذ تعيينه خلفا لزميل الأمس في الملاعب لوران بلان عام 2012، وهذا لا يعكس سوى ابتعاده عن النسق التدريبي السريع مع الأندية، لكن يُقال إن الهدف من تعيينه هو الاستفادة من قدرته على التعامل بشكل جيد مع النجوم وتوظيفهم بما يخدم مصلحة الفريق، وفي مقدمتهم ابنه المدلل كيليان مبابي، الذي أخرج منه نسخ مخيفة سواء في مونديال روسيا 2018 أو قطر 2022، وهي نفس الميزة التي يملكها المدرب الألماني توماس توخيل، الذي سبق له أن أخرج أفضل ما لدى نيمار ومبابي معا في هجوم باريس سان جيرمان، في الموسم الذي شهد وصول العملاق الباريسي إلى نهائي دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه، لكن هذا الخيار يبدو صعبا على الأقل في الموسم الجديد بعد موافقة مدرب تشلسي الأسبق على تمديد عقده مع الاتحاد الإنكليزي حتى نهائيات يورو 2028، فمن يا ترى من هؤلاء سيقع عليه اختيار فلورينتينو بيريز ليكون عراّب فترة البحث عن استعادة الألقاب قبل أن تزيد سنوات الجفاف.

.jpg)


